فخر الدين الرازي
66
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسألة الثامنة : قول امرئ القيس : - فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة * كفاني ولم أطلب قليل من المال ولكنما أسعى لمجد مؤثل * وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي فقوله كفاني ولم أطلب ليسا متوجهين إلى شيء واحد ، لأن قوله كفاني موجه إلى قليل من المال ، وقوله ولم أطلب غير موجه إلى قليل من المال ، وإلا لصار التقدير فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة لم أطلب قليلا من المال ، وكلمة لو تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره فيلزم حينئذ أنه ما سعى لأدنى معيشة ومع ذلك فقد طلب قليلا من المال ، وهذا متناقض ، فثبت أن المعنى ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة كفاني قليل من المال ولم أطلب الملك ، وعلى هذا التقدير فالفعلان غير موجهين إلى شيء واحد ، ولنكتف بهذا القدر من علم العربية قبل الخوض في التفسير . القسم الثاني من هذا الكتاب المشتمل على تفسير ( أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم ) في المباحث النقلية والعقلية ، وفيه أبواب : - . الباب الأول في المسائل الفقهية المستنبطة من قولنا : ( أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم ) وقت قراءة الاستعاذة : المسألة الأولى [ وقت قراءة الاستعاذة ] : اتفق الأكثرون على أن وقت قراءة الاستعاذة قبل قراءة الفاتحة ، وعن النخعي أنه بعدها ، وهو قول داود الأصفهاني ، وإحدى الروايتين عن ابن سيرين ، وهؤلاء قالوا : الرجل إذا قرأ سورة الفاتحة بتمامها وقال : ( آمين ) فبعد ذلك يقول : أعوذ باللّه والأولون احتجوا بما روى جبير بن مطعم أن النبي صلى اللّه عليه وسلم حين افتتح الصلاة قال : اللّه أكبر كبيرا ثلاث مرات ، والحمد للّه كثيرا ثلاث مرات ، وسبحان اللّه بكرة وأصيلا ثلاث مرات ، ثم قال : أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه . واحتج المخالف على صحة قوله بقوله سبحانه : فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ [ النحل : 98 ] دلت هذه الآية على أن قراءة القرآن شرط ، وذكر الاستعاذة جزاء ، والجزاء متأخر عن الشرط ، فوجب أن تكون الاستعاذة متأخرة عن قراءة القرآن ، ثم قالوا : وهذا موافق لما في العقل ، لأن من قرأ القرآن فقد استوجب الثواب العظيم ، فلو دخله العجب في أداء تلك الطاعة سقط ذلك الثواب ، لقوله عليه الصلاة والسلام « ثلاث مهلكات » وذكر منها إعجاب المرء بنفسه ، فلهذا السبب أمره اللّه سبحانه وتعالى بأن يستعيذ من الشيطان ، لئلا يحمله الشيطان بعد قراءة القرآن على عمل يحبط ثواب تلك الطاعة . قالوا : ولا يجوز أن يقال : إن المراد من قوله تعالى : فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [ النحل : 98 ] أي إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ ، كما في قوله تعالى : إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [ المائدة : 6 ]